سيد قطب
1182
في ظلال القرآن
الكتاب مفصلا ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ، فلا تكونن من الممترين . وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ، وهو السميع العليم . وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه ، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون . إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . . فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه إن كنتم بآياته مؤمنين . وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ، وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه - وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم ، إن ربك هو أعلم بالمعتدين . وذروا ظاهر الإثم وباطنه ، إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون . . ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون . . أو من كان ميتا فأحييناه ، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ؟ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون . وإذا جاءتهم آية قالوا : لن نؤمن حتى نؤتى مثلما أوتي رسل اللّه . اللّه أعلم حيث يجعل رسالته . سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللّه وعذاب شديد بما كانوا يمكرون » . . ثم يعود السياق فيقرر أن هدى المهتدين وضلال الضالين . . كلاهما إنما يتم بقدر من اللّه . وأن هؤلاء كهؤلاء في قبضة اللّه وسلطانه ، وفي اطار مشيئته وقدره : « فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون » . وينهي هذه الفقرة بتقرير أن ما مر من الأمر والنهي ، ومن الاعتقاد والتصور ، هو صراط اللّه المستقيم . فيربط بين ذلك الأمر والنهي وبين أصول الاعتقاد في مشيئة اللّه وقدره ، ويجعلهما حزمة واحدة . كما يجعلهما صراط اللّه المستقيم الذي يأمر اللّه العباد أن يسلكوه إليه ، لينتهوا إلى دار السلام والأمن عند ربهم وهو وليهم وناصرهم : « وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون . لهم دار السلام عند ربهم ، وهو وليهم بما كانوا يعملون » . ولا تنتهي التعقيبات على مسألة الأمر والنهي في تناول الذبائح ، حتى يعرض السياق مصير شياطين الإنس والجن الذين يجادلون المؤمنين في هذه القضية ؛ وهم في قبضة اللّه - صاحب السلطان وصاحب الحكم في المصائر - وحتى يعرض سلطان اللّه كذلك في استخلاف من يستخلف في هذه الأرض ، والذهاب بمن يريد له أن يذهب . وتهديد من يركب رأسه منهم في الدنيا - بسبب ما منحه اللّه من حرية في اختيار طريقه ، ابتلاء من اللّه واختبارا - بانتهاء المهلة ؛ والأخذ بما كسب في فترة الابتلاء والاختبار : « ويوم يحشرهم جميعا : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ! وقال أولياؤهم من الإنس : ربنا استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا . قال : النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء اللّه - إن ربك حكيم عليم . وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون . يا معشر الجن والإنس ، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ، وينذرونكم لقاء يومكم هذا ؟ قالوا : شهدنا على أنفسنا ، وغرتهم الحياة الدنيا ، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين . ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون . ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون . وربك الغني ذو الرحمة ، إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين . إن ما توعدون لآت ، وما أنتم بمعجزين . قل : يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ، إنه لا يفلح الظالمون » . . بهذا الحشد العجيب من حقائق العقيدة الأساسية ، ومن المشاهد والمواقف والمؤثرات الموحية ؛ ومن تسليط